الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
415
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وكثيرا ما يتفق أنه لو استطاع الإنسان أن يبين قول الحق بصورة يراه الطرف الآخر متطابقا لفكره ورأيه ، فسرعان ما ينعطف إليه وينسجم معه ، لأن الإنسان ذو علاقة بفكره كعلاقته بأبنائه . وهكذا فإن القرآن الكريم يثير الكثير من المسائل على صورة " السؤال والاستفهام " لينتزع جوابه من داخل فكر المخاطب فيراه منه ! وبالطبع فإن لكل قانون استثناء ، ومنها هذا القانون أو الأصل الكلي في البحث والمجادلة الإسلامية ، فقد يعد في بعض الموارد ضعفا ، أو يكون الطرف الآخر مغرورا إلى درجة أن هذا التعامل الإنساني يزيده جرأة وعدوانا وتكبرا ، لذلك فإن القرآن يضيف مستثنيا : إلا الذين ظلموا منهم . وهم الذين ظلموا أنفسهم وظلموا الآخرين ، وكتموا كثيرا من الآيات ، لئلا يطلع الناس على أوصاف النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) . الظالمون الذين جعلوا أوامر الله التي لا تنسجم مع منافعهم الشخصية تحت أقدامهم . الظالمون الذين آمنوا بالخرافات فكانوا كالمشركين في عقيدتهم إذ قالوا : إن المسيح ابن الله ، أو العزير ابن الله . وأخيرا فهم أولئك الذين ظلموا وتذرعوا بالسيف والقوة بدلا من البحث المنطقي ، وتوسلوا بالشيطنة والتآمر على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وعلى الإسلام . ويختتم الآية بمصداق بارز من " المجادلة بالتي هي أحسن " ويمكنه أن يكون قدوة لأي بحث ، فيقول القرآن الكريم : وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون . كم هو جميل هذا التعبير ! وكم هو رائع هذا النغم واللهجة ! لهجة الوحدة والإيمان بكل ما أنزل الله الواحد ، وحذف جميع العصبيات ، ونحن وأنتم جميعا موحدون لله مسلمون له .